محمود العاملي
10-10-2007, 06:19 PM
(أسس الحفاظ على الزواج)
تمهيد :
إن الحياة الزوجية، كما عبروا عنها، تآلف روحين وتجانس قلبين، حيث يستعد كل منهما للتضحية بكل شيء في سبيل الآخر، وبهذا تبدو الحياة الزوجية جميلة ورائعة ويملأها الأمل.
إلا أن الحياة ليست دائماً على هذا النحو , فقد تعترضها العقبات الكبيرة والصغيرة , وقد تحدثنا في الدروس السابقة عن أهم المشاكل التي يمكن أن تطرأ على هذه العلاقة , وسنتحدث في هذا الدرس عن بعض الأسس المهمة التي تحافظ على ديمومة هذه العلاقة , وإبعادها عن التشرذم , فهي نواة المجتمع , ولو فسدت النواة لفسد المجتمع بأكمله .
1 – الرفق :
دعا الإسلام إلى التعامل برفق بين المؤمنين , ويعتبر الرفق والمداراة المدماك الأساس في تماسك بنية المجتمعات , ولهذا نجد الكثير من الروايات التي تتحدث عن أهمية الرفق , وما له من الآثار الحميدة على المستوى الفردي والاجتماعي .
كما أن الحياة الزوجية , لا يمكن لها الاستمرار من دون التعاطي الرفيق بين الزوجين , ولو ترك الرفق في الأسرة لحل محله العنف والنزاع .
ففي الرواية عن الإمام الباقر × : > إن الله عز وجل رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف < ([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_edn1)) .
آثار الرفق :
1 – المحبة :
ورد في الرواية عن الإمام علي × : > ثلاث يوجبن المحبة : حسن الخلق ، وحسن الرفق ، والتواضع < ([2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_edn2)).
قد يكون الحب موجوداً قبل الزواج ، ولكن الزواج يفشل , لأن كل واحد منهما أو احدهما، اكتشف في الآخر خلاف الصورة التي اعتقدها في نفسه وانعكست حباً للطرف الآخر , لذلك ينهار الحب ومعه الزواج , ولأنه لم يقم على دعامة أساسية متينة .
بالمقابل يحدث زواج من دون معرفة كل طرف بالآخر منذ فترة بعيدة ، فيحدث استئناس أولي ثم يتفقان على الزواج ، مع أن الحب غير موجود، بعد خمس سنوات نجد أن الحب كبر جداً بينهما، لماذا كبر مع أنه لم يكن موجوداً؟
السبب الأساسي هو التعاطي الحسن لكل منهما مع الآخر , والذي جعل كل طرف يكتشف معدن الطرف الآخر، ويستأنس به، ويراه في صورة جميلة، وكلما تحسنت الصورة بنظر الآخر كلما ازداد الحب مع الزمن، لذلك إذا قال شخص أحسسنا بعد ثلاثين سنة أننا نحب بعضنا أكثر من كل المدة السابقة أثناء الزواج، فهذا طبيعي مع نمو المعرفة والتعاطي الرفيق .
محمود العاملي
10-10-2007, 06:20 PM
2 – حل المشاكل :
وكم هي كثيرة المشاكل الزوجية التي انحلت بسبب استعمال الرفق بين الزوجين أو أحدهما , فعندما يحدث سوء تفاهم بين الزوجين على مسألة ما , فليس لدى الزوجين إلا خيارين :
- إما أن يصعدا الأمر ويتمسك كل منهما برأيه ونظرته .
- أن يناقشا الأمر بهدوء ورفق , ويداري كل منهما مصالح الآخر .
أما التصعيد من قبلهما فلن يحل الأمر بل سيزيد المشكلة تعقيداً , بل يمكن أن يقضي على العلاقة فيما لو تسلح كل من الزوجين بالعناوين التافهة السخيفة , كابن الحسب أو بنته أو المتعلم أو المثقفة , وغيرها من العناوين التي يتدخل الشيطان بكل قوته لزرعها في عقلية الزوجين في ظروف سوء التفاهم .
فليس أمام الزوجين إلا الخيار الآخر وهو الرفق ومداراة مصالحهما , فعن الإمام علي × : > دار الناس تستمتع بإخائهم ، والقهم بالبشر تمت أضغانهم < ([3]) .
كما أن من يستعمل المداراة و الرفق أساسا في تعاطيه مع الآخرين لا سيما مع أهل بيته , هو إنسان عاقل , لأنه يتبع الأسلوب الأنجع لإدامة هذه العلاقات إلى أطول وقت ممكن , ورد في الحديث الإمام علي × : > ثمرة العقل مداراة الناس < ([4]) .
2 - الرحمة والصبر :
الرحمةُ والصبرُ أساسان مهمان تدوم بهما العلاقات الزوجية :
أ - الرحمة :
وهي صفة من صفات الله تعالى , وقد أرادنا أن نتمثلها في تعاطينا مع الآخرين , سيما مع من نحمل مسؤوليتهم , ففي الحديث عن رسول الله | :> الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى ، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء < ([5]) .
وعن أمير المؤمنين × : > ارحم من دونك ، يرحمك من فوقك ، وقس سهوه بسهوك ومعصيته لك بمعصيتك لربك وفقره إلى رحمتك بفقرك إلى رحمة ربك < ([6]) .
فكيف يطمع برحمة الله تعالى من لا يرحم امرأته أو ولده على سهوٍ أو خطأٍ أو تقصيرٍ صدر منهم , بل يؤنبهم أشد تأنيب , ولا يقبل لهم عذراً إلا بعد ذلٍ وتكرار ؟
عن أمير المؤمنين × : > عجبت لمن يرجو رحمة من فوقه كيف لا يرحم من دونه < ([7]) .
ب - الصبر :
إن الصبر من أشرف الأخلاق الإنسانية , كما أن الصبر هو الامتحان الإلهي للإنسان , وبه وصل الأنبياء ^ لما وصلوا إليه من مراتب الكمال .
عنالإمام علي × : > الصبر أحسن خلل الإيمان وأشرف خلائق الإنسان < ([8]) .
وللصبر في العلاقات الزوجية مكان يعتد به , فلولا الصبر لما بقي زوجان على العلقة الزوجية عند أقل سوء تفاهم ينشأ بينهما , فبالصبر على الصعاب والمشاكل , نرتقي بالحياة إلى الوجه الحسن منها , ونتجاوز عن السلبيات الآنية التي قد تكون في لحظاتٍ سيدها الشيطان لا الإنسان .
وفي الحياة الزوجية ينبغي للزوجين أن يصبرا على ما يصدر منهما من هفوات أو سوء خلق , وهذا ما أكدت عليه الروايات الكثيرة :
1 – الصبر على سوء خلق الزوج :
النموذج الأمثل للمرأة الصابرة على خلق زوجها و هي السيدة الجليلة آسية بنت مزاحم ÷ , فقد كانت - هذه المرأة الصالحة المؤمنة المطيعة لله تعالى - زوجة لرجل عديم الرحمة والشفقة , وصل به الأمر إلى أن ادعى الربوبية , وهو فرعون , ولأجل صبرها وثباتها على دين الحق ضرب الله تعالى بها مثلا للرجال والنساء معاً فقال : { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } ([9]) .
أيتها الزوجة المؤمنة بالله , إن زوجك قد يمر في لحظات عصيبة خارج المنزل , وقد يصل إلى البيت في حالة عصبية , لا تقفي لمواجهته , لأنك ترمي بذلك على ناره وقوداً , بل اصبري قليلاً حتى يهدأ , ويستقر ثم حديثه بلطف , وأظهري له الابتسامة التي تزيح عنه أتعاب الحياة , وواسيه وطيبي خاطره , وتذكري قول رسول الله | : > من صبرت على سوء خلق زوجها أعطاها مثل [ ثواب ] آسية بنت مزاحم < ([10]) .
3 - الواقعية وعدم التوقع :
الواقعية في عقلية الزوجين هي أمر هامٌ جداً , ولا بد منه في التعاطي بينهما , والمقصود بالواقعية هي أن يتعامل كل من الزوجين مع الآخر بمقدار طاقته , وعلمه وفهمه , فلو كان الزوج غير متعلم , والزوجة متعلمة , فإنه من الخطأ الكبير أن , تتوقع الزوجة من زوجها أن يتعاطى معها بطريقة المتعلم أو المثقف , ولو كانت تتوقع ذلك , فإنها ستصاب بخيبة الأمل حينما يصل الأمر في أرض الواقع وينكشف لها أنه لن يكون إلا الرجل غير المتعلم , لا أكثر ولا أقل .
وكذلك الرجل فلو كان لزوجته مستوى معيناً من الذكاء , وكان ذكاؤه أكثر منها فلا يمكن له أن يتعاطى معها كما لو كانت بنفس المستوى الإدراكي الذي يتمتع به .
إن الواقعية وإعطاء كل ذي حجم حجمه أمر ليس مهما فقط في الحياة الزوجية , بل ينسحب على كل العلاقات الاجتماعية , فلكل مقام مقال , ولكل طرف نتعاطى معه مستوى معيناُ من الخطاب لا يمكن أن نتعداه رفعاً أو خفضاً .
ومن هنا كان أمر الله تعالى للرسول الأكرم | أن يكلم الناس على مقدار عقولهم , ففي الرواية عن الإمام الصادق × : > ما كلم رسول الله | العباد بكنه عقله قط ، وقال : قال رسول الله | : إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم < ([11]) .
ومن هنا فعلى الزوجين أن يدركا تماما وضعهما ويجدا الأسلوب الأمثل في الخطاب بينهما , ولا يتوقعا الكمال من بعضهما , فلا الزوج هو الإمام المعصوم , والزوجة هي المعصومة , كلاهما بشر ولدى كل بشري قدراته , ومن الطبيعي أن تتفاوت عن قدرات الآخر .
4 – ترك التعيير والانتقاص :
من مساوئ الأخلاق التي ذكرها العلماء , وتحدثت عنها الروايات الكثيرة , التعيير والتحقير والانتقاص من قدر المؤمن .
أما في ما يخص العلاقات الزوجية , فإنه يجب على الزوجين ترك التعيير والانتقاص الذي يمس كرامة الآخر , كأن يعير الزوج زوجته بأهلها , أو تعيره بأهله , فبعض الرجال لا ينفكون عن تحقير أهل زوجاتهم في كل مناسبة , وعند أي خلاف , سواء كان لهم دخالة في المشكلة أم لا , مما يسبب بكسر قلوب زوجاتهم .
ورد في الرواية عن الإمام الصادق × : > من حقر مؤمنا مسكينا أو غير مسكين لم يزل الله عز وجل حاقراً له ماقتاً حتى يرجع عن محقرته إياه < ([12]) .
وفي رواية أخرى عن الرسول الأكرم | : > من أذاع فاحشة كان كمبتدئها , ومن عير مؤمنا بشيء لم يمت حتى يركبه < ([13]) .
قد تسكت الزوجة عن التعيير خوفا من سطوة الرجل , وقد تخفي مشاعرها , إلا أنها في يوم من الأيام سوف تقف بعد كل هذا الحقن لتصرخ في ووجه تباً لهذه الحياة أنا لم أعد أطيق الحياة معك وأنت تنتقص مني وتحقر أهلي .
أيها الزوجان , إن أسلوب الإهانة والتجريح لم يكن ناجحاً في يوم من الأيام لحلِّ أي مشكلة , قد يكون ناجحاً في جعلكما عاصيين لله تعالى فقط , فكونا على حذر من الوقوع في مخالب الشيطان , لأن أذية المؤمن من المعاصي العظيمة , ففي الرواية عن الإمام الصادق × : > من أنب مؤمنا أنبه الله في الدنيا والآخرة < ([14]) .
[1] ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج 2 - ص 1103
[2] ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج 1 - ص 496
[3] ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج 2 - ص 865
[4] ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج 2 - ص 865
[5] ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج 2 - ص 1044
[6] ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج 2 - ص 1044
[7] ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج 2 - ص 1044
[8] ميزان الحكمة الحديث 10019
[9]( التحريم – الآية 11 )
[10] ميزان الحكمة - محمدي الريشهري ج 2 ص 1187
[11] الكافي - الشيخ الكليني - ج 1 - ص 23
[12]الكافي - الشيخ الكليني - ج 2 - ص 351
[13]الكافي - الشيخ الكليني - ج 2 - ص 356
[14] الكافي - الشيخ الكليني - ج 2 - ص 356
روح نقيه
10-10-2007, 08:38 PM
وللصبر في العلاقات الزوجية مكان يعتد به , فلولا الصبر لما بقي زوجان على العلقة الزوجية عند أقل سوء تفاهم ينشأ بينهما , فبالصبر على الصعاب والمشاكل , نرتقي بالحياة إلى الوجه الحسن منها , ونتجاوز عن السلبيات الآنية التي قد تكون في لحظاتٍ سيدها الشيطان لا الإنسان .
اسس وقواعد اساسية للحفاظ على الحياة الزوجية الله يعطيك الف عافيه اخي الكريم محمود العاملي على المشاركة القيمه
محمود العاملي
10-10-2007, 10:52 PM
اسس وقواعد اساسية للحفاظ على الحياة الزوجية الله يعطيك الف عافيه اخي الكريم محمود العاملي على المشاركة القيمه
شكرا لمروركم الطيب أختي الكريمة روح نقية , على أمل أن نستطيع فعلا أن نلتزمبما أمرنا به الرسول الأكرم وأهل البيت صلوات الله عليه وعليهم , فنتحلى بكل القيم النبيلة .
محمود العاملي
.:: المؤمل للإستضافة والتصميم ::. الإصدار vBulletin 3.7.2
almuamal.net