محمدي
10-16-2007, 07:14 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد
الطيبين الطاهرين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
السلوك والقرب أمنية كل مؤمن ومؤمنة في هذه الحياة من باب وتزودوا فان خير الزاد التقوى ولعل البعض يتسائل عن طريقة الوصول لتلك الأوسمة الجمالية كما ذكرها الامام علي عليه السلام في احدى خطبه بقوله:-
: «رحم اللّه امرأً ]عبداً[ سمع حكماً(1)فوعى(2) ودعي إلى رشاد فدنا، وأخذ بحجزة(3)هاد فنجا. راقب ربّه، وخاف ذنبه».
لقد بين الإمام(عليه السلام) في هذه العبارة بهذه الصفات الخمس مقدمة طريقة رواد القرب إلى اللّه وسالكي مسيرة التقوى وتهذيب النفس، فأول الطريق ضرورة توفر الاذن السامعة التي تصغي إلى الحقائق وتستوعبها ومن ثم الاتجاه نحو الداعي الإلهي لمزيد من الفهم والإدراك، آنذاك اللجوء إلى الهادي وانتخاب القائد والدليل، وأخيراً الشعور بالحضور الدائم للّه سبحانه وشهوده للأعمال بغية الورع والتقوى من الذنب. فمن تحلى بهذه الفضائل الخمس يكون قد أعد زاده للسفر إلى اللّه والحركة نحوه. طبعاً صحيح أنّ اللّه قد خلق الإنسان على الفطرة وزوده بالعقل كمصباح يضيئ له الطريق، إلاّ أنّ المفروغ منه هو أنّ إجتياز هذا الطريق
يتعذر بالاقتصار على العقل والفطرة، ولايتوج ذلك إلاّ بتوفر الداعي الإلهي والمرشد والدليل. ومن الواضيح أنّ المراد بالدليل والمنقذ الذين اُشير إليهما في العبارة هم النبي وأئمة العصمة(عليهم السلام)ومن يتحدث عنهم ويهدي إليهم; لا الأفراد المبتدعين ممن تسموا بشيوخ التصوف الذين يغطون في هالة من الظلمة الدامسة ويزعمون أنّهم يهدون إلى النور ولا يخفى على أحد مدى الدور الذي يلعبه الشعور بالمراقبة الإلهية والورع عن الذنب في كبح جماع النفس وصمودها أمام الأهواء والشهوات.
هذه مقدمة لذلك السفر وعليه يبدأ الفرد بتهيئة لوازمه للوصول الى المرحلة التي تليه وهي البرامج التي ينبغي رصدها والتحرك بموجبها لامتطاء ذلك الطريق الذهبي وهي برامج تحتاج الى المثابرة الدائمة لانجاح هذا البرنامج العملي والحصول على نتيجة ايجابية متقنة فقال(عليه السلام): «قدّم خالصاً، وعمل صالحاً. اكتسب مذخوراً، واجتنب محذوراً، ورمى غرضاً(4) وأحرز عوضاً. كابر(5)هواه، وكذّب مناه». فقد أكد الإمام(عليه السلام) بادئ ذي بدء على العمل الخالص والصالح، كما ورد تعريفه عن الإمام الصادق(عليه السلام):«العمل الخالص الّذي لاتريد أن يمدحك عليه أحدٌ إلاَّ اللّه»(6)وإليه أشارت الآية الكريمة: (وَما أُمِرُوا إِلاّ لِـيَعْبُدُوا اللّهَ مُخْلِصِـينَ لَهُ الدِّينَ)
وهنالك تفاسير اُخرى للاخلاص تبدو من قبيل اللازم والملزوم، فقالوا: الاخلاص إخفاء العمل عن الخلائق وتطهيره من العلائق، وقيل: حقيقة الاخلاص ألا ينتظر الإنسان أجراً دنيوياً أو أخروياً على عمله، بل يقوم به حبّاً للّه. وقيل: الاخلاص إخراج الخلق من معاملة الخالق. ولعلنا نلمس قمة الاخلاص في الحديث الوارد عن أميرالمؤمنين علي(عليه السلام)حين قال: «إلهي ما عبدتك طمعاً في جنّتك ولاخوفاً من نارك ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك». ثم اتبع الاخلاص والعمل الصالح بالحديث عن المذخور والذخيرة ليوم القيامة والواقع هو أنّ أعظم ذخيرة إنما تتمثل بالأعمال الخالصة والصالحة.
هنا اشارة ينبغي ملاحظتها دائما حيث أن هناك عوائق تقع في الطريق ومطبات تحتاج لتهدئة محرك الذنوب عند الانسان لأن مايقدمه قد يكون عرضة للاحباط والخسران بفعل الذنوب والمعاصي
ولما كانت الأعمال الصالحة والخالصة للإنسان عرضة للاحباط بفعل الذنوب والمعاصي،
فقد ورد الحض على إجتناب هذه الذنوب والتورع عن ارتكابها ليقدم الفرد على ربّه يوم القيامة بتلك الأعمال. وطالماً كان الاقبال على الدنيا يصد الإنسان عن ذخيرة الأعمال الصالحة، واتباع هوى النفس الذي يعد من أهم موانع الطريق وعقبته الكؤود طول الأمل، فقد ورد الحديث عن ترك زخارف الدنيا وعدم الاغترار بها ومقاومة هوى النفس وتكذيب طول الأمل وإجتنابه; الآفات المهلكة التي ورد الحديث عنها عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)أنّه قال: «يقول اللّه تعالى: وعزّتي وجلالي... لايؤثر عبدٌ هواه على هواى إلاّ استحفظته ملائكتي و كفّلت السّموات والأرضين رزقه»
جميل أن يحصل المؤمن على صفات تؤهله للوصول الى مبتغاه وهو القرب من الله سبحانه وتعالى والحصول على شهادة بدرجة راقية مع وسام الشرف وهنا امامنا الامام علي عليه السلام يرشدنا الى تلك الصفات التي ينبغي للمؤمن التحلي بها فقال في خطبته:
: «جعل الصّبر مطيّة(7) نجاته، والتّقوى عدّة وفاته ركب الطّريقة الغرّاء(8)،لزم المحجّة(9) البيضاء. اغتنم المهل،(10) وبادر الأجل، وتزوّد من العمل». فقد أشار الإمام(عليه السلام)بهذه الصفات السبع ـ والتي تبدأ بالصفة الرابعة عشرة وانتهت بالعشرين ـ إلى شرائط والوسائل المتعلقة بالسالكين إلى اللّه الذين يحثون الخطى لنيل القرب من اللّه. ويحتاج هؤلاء السالكون قبل كل شيء إلى مركب يوصلهم إلى شاطئ النجاة وشق عباب هذا الطريق المحفوف بالمخاطر والعقبات، وما أعظم الصبر بصفته المنقذ في كل موضع ومهما كانت الظروف. من جانب آخر فان كل مسافر لابدّ أن يحمل معه بعض الوسائل والأدوات التي تلبي حاجاته طيلة هذا الطريق، ويشير الإمام(عليه السلام) إلى أنّ هذه الوسائل تتمثل بالورع والتقوى بصفتها الزاد إلى الوفاة. ثم تأتي المرحلة الضرورية الاُخرى المتمثلة بمعرفة الطريق ومواصلة السير عليه فقال(عليه السلام)«ركب الطّريقة الغرّاء ولزم المحجّة البيضاء» فالعبارة الاولى تشير إلى انتخاب الطريق والثانية إلى السير عليه ومواصلته دون الانحراف عنه طيلة المسيرة. من جانب آخر ليس هنالك من منازل يمكن السالك التزود فيها لسفره الطويل، ومن هنا لفت الإمام(عليه السلام)إنتباه السالكين إلى إغتنام الفرص واحترام الوقت الذي قد يكون وبالاعلى صاحبه إذا لم يستفد منه: «اغتنم المهل وبادر الأجل».
هنا حالة وأمر مهم للسالكين وهو الصبر!! وأي صبر هو المقصود؟
الصبر حالة نفسانية يعتمده الإنسان لمواجهة ما يعترض مسيرته من صعاب ومشاكل، وتارة يكون هذا الصبر صبر الطاعة إذا تضمن الوقوف بوجه الصعاب من أجل إمتثال الأوامر الشرعية، وتارة اُخرى يكون الصبر على المعصية إذا تضمن كبح جماح النفس والحد من طغيانها وكسر شهوتها، وأخيراً هناك الصبر على النوائب إثر مجابهة المصائب والويلات والأمراض ومطبات الحياة وعقباتها الكؤود. والواقع أنّ هذه الصفة تأخذ بيد الإنسان إلى التقوى حتى ورد عن أميرالمؤمنين(عليه السلام) أنّه قال: «فان الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد»
وجاء في الحديث عن النبي(صلى الله عليه وآله) أنه قال «سيأتي على النّاس زمانٌ لاينال الملك فيه إلاَّ بالقتل و التجبّر ولا الغنى إلاّ بالغصب والبخل، ولا المحبّة إلاَّ باستخراج الدّين واتّباع الهوى; فمن أدرك ذلك الزّمان وصبر على الفقر وهو يقدر على الغنى، وصبر على البغضة وهو يقدر على المحبّة، وصبر على الذّلّ وهو يقدر على العزّ، آتاه اللّه ثواب خمسين صدّيقاً ممّن صدّق بي»(11)
ملاحظة جديرة بالاهتمام وهي اغتنام الفرص دائما لأن الفرص تمر مر السحاب ومن جانب آخر هناك تهديد لأعمال الخير التي يقدمها الانسان فقد.
روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «إذا هممت بخير فبادر فإنّه ما تدري ما يحدث»(12)وقال(عليه السلام)أيضاً: «إذا همّ أحدكم بخير أو صلة فإنّ عن يمينه وشماله شيطانين فليبادر لايكفّاه عن ذلك».(13)
نسأل الله سبحانه وتعالى لنا التوفيق دائما وماتوفيقنا الا بالله 00
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ
اعداد/ أخوكم محمدي
المصدر/ نفحات الولاية في شرح نهج البلاغة
1.- «حكم» هنا بمعنى الحكمة.
2. - «وعى» من مادة «وعي» على وزن سعي بمعني الحفظ وفهم المراد و«أذن واعية» كناية عن سماع الشخص للمطالب وفهمها بصورة جيدة.
3. - «الحجزة» بالضم معقد الازار والمراد بها هنا الاقتداء والتمسك.
4.- «غرض» على وزن مرض بمعنى الهدف الذي يسدد نحوه السهم، كما يعني المقصود والحاجة، إلاّ أنّه ورد في رواية «عرض» بمعنى المتاع الدنيوي الزائل. 5
5. - «كابر» من مادة «مكابرة» بمعنى المنازعة والمبارزة، كما يطلق على المنازعات العلمية التي تهدف الغلبة على الطرف المقابل لاتحقيق الحق، وقد ارد بها هنا المعنى الأول.
6 - الكافي 2/16.
7.- «مطية» المركب السريع الذي لايجمع بصاحبه.
8.- «غراء» مؤنث «أغر» كل شيىء أبيض والطريقة الغراء النيرة الواضحة.
9.- «المحجة» من مادة «حج» تعني في الأصل القصد، ثم اُطلقت على جادة الطريق التي توصل الإنسان إلى مقصوده.
10.- «مهل» جاء بصيغة اسم المصدر وبمعنى الرفق والمداراة، ومن هنا فان الفرص تمثل الارضية للرفق والمداراة، وهذا الاصطلاح أستعمل بمعنى الفرصة وفي الخطبة أعلاه، جاء بعنوان الاشارة إلى الفرص التي اعطاها الله سبحانه وتعالى لعباده من اجل اصلاح اعمالهم والاتيان بالاعمال الصالحة، والتي يجب أن يغتنمها الناس.
11.- اُصول الكافي 2/91.
12-. اُصول الكافي 2/142.
13.- اُصول الكافي 2/143.
اللهم صل على محمد وآل محمد
الطيبين الطاهرين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
السلوك والقرب أمنية كل مؤمن ومؤمنة في هذه الحياة من باب وتزودوا فان خير الزاد التقوى ولعل البعض يتسائل عن طريقة الوصول لتلك الأوسمة الجمالية كما ذكرها الامام علي عليه السلام في احدى خطبه بقوله:-
: «رحم اللّه امرأً ]عبداً[ سمع حكماً(1)فوعى(2) ودعي إلى رشاد فدنا، وأخذ بحجزة(3)هاد فنجا. راقب ربّه، وخاف ذنبه».
لقد بين الإمام(عليه السلام) في هذه العبارة بهذه الصفات الخمس مقدمة طريقة رواد القرب إلى اللّه وسالكي مسيرة التقوى وتهذيب النفس، فأول الطريق ضرورة توفر الاذن السامعة التي تصغي إلى الحقائق وتستوعبها ومن ثم الاتجاه نحو الداعي الإلهي لمزيد من الفهم والإدراك، آنذاك اللجوء إلى الهادي وانتخاب القائد والدليل، وأخيراً الشعور بالحضور الدائم للّه سبحانه وشهوده للأعمال بغية الورع والتقوى من الذنب. فمن تحلى بهذه الفضائل الخمس يكون قد أعد زاده للسفر إلى اللّه والحركة نحوه. طبعاً صحيح أنّ اللّه قد خلق الإنسان على الفطرة وزوده بالعقل كمصباح يضيئ له الطريق، إلاّ أنّ المفروغ منه هو أنّ إجتياز هذا الطريق
يتعذر بالاقتصار على العقل والفطرة، ولايتوج ذلك إلاّ بتوفر الداعي الإلهي والمرشد والدليل. ومن الواضيح أنّ المراد بالدليل والمنقذ الذين اُشير إليهما في العبارة هم النبي وأئمة العصمة(عليهم السلام)ومن يتحدث عنهم ويهدي إليهم; لا الأفراد المبتدعين ممن تسموا بشيوخ التصوف الذين يغطون في هالة من الظلمة الدامسة ويزعمون أنّهم يهدون إلى النور ولا يخفى على أحد مدى الدور الذي يلعبه الشعور بالمراقبة الإلهية والورع عن الذنب في كبح جماع النفس وصمودها أمام الأهواء والشهوات.
هذه مقدمة لذلك السفر وعليه يبدأ الفرد بتهيئة لوازمه للوصول الى المرحلة التي تليه وهي البرامج التي ينبغي رصدها والتحرك بموجبها لامتطاء ذلك الطريق الذهبي وهي برامج تحتاج الى المثابرة الدائمة لانجاح هذا البرنامج العملي والحصول على نتيجة ايجابية متقنة فقال(عليه السلام): «قدّم خالصاً، وعمل صالحاً. اكتسب مذخوراً، واجتنب محذوراً، ورمى غرضاً(4) وأحرز عوضاً. كابر(5)هواه، وكذّب مناه». فقد أكد الإمام(عليه السلام) بادئ ذي بدء على العمل الخالص والصالح، كما ورد تعريفه عن الإمام الصادق(عليه السلام):«العمل الخالص الّذي لاتريد أن يمدحك عليه أحدٌ إلاَّ اللّه»(6)وإليه أشارت الآية الكريمة: (وَما أُمِرُوا إِلاّ لِـيَعْبُدُوا اللّهَ مُخْلِصِـينَ لَهُ الدِّينَ)
وهنالك تفاسير اُخرى للاخلاص تبدو من قبيل اللازم والملزوم، فقالوا: الاخلاص إخفاء العمل عن الخلائق وتطهيره من العلائق، وقيل: حقيقة الاخلاص ألا ينتظر الإنسان أجراً دنيوياً أو أخروياً على عمله، بل يقوم به حبّاً للّه. وقيل: الاخلاص إخراج الخلق من معاملة الخالق. ولعلنا نلمس قمة الاخلاص في الحديث الوارد عن أميرالمؤمنين علي(عليه السلام)حين قال: «إلهي ما عبدتك طمعاً في جنّتك ولاخوفاً من نارك ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك». ثم اتبع الاخلاص والعمل الصالح بالحديث عن المذخور والذخيرة ليوم القيامة والواقع هو أنّ أعظم ذخيرة إنما تتمثل بالأعمال الخالصة والصالحة.
هنا اشارة ينبغي ملاحظتها دائما حيث أن هناك عوائق تقع في الطريق ومطبات تحتاج لتهدئة محرك الذنوب عند الانسان لأن مايقدمه قد يكون عرضة للاحباط والخسران بفعل الذنوب والمعاصي
ولما كانت الأعمال الصالحة والخالصة للإنسان عرضة للاحباط بفعل الذنوب والمعاصي،
فقد ورد الحض على إجتناب هذه الذنوب والتورع عن ارتكابها ليقدم الفرد على ربّه يوم القيامة بتلك الأعمال. وطالماً كان الاقبال على الدنيا يصد الإنسان عن ذخيرة الأعمال الصالحة، واتباع هوى النفس الذي يعد من أهم موانع الطريق وعقبته الكؤود طول الأمل، فقد ورد الحديث عن ترك زخارف الدنيا وعدم الاغترار بها ومقاومة هوى النفس وتكذيب طول الأمل وإجتنابه; الآفات المهلكة التي ورد الحديث عنها عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)أنّه قال: «يقول اللّه تعالى: وعزّتي وجلالي... لايؤثر عبدٌ هواه على هواى إلاّ استحفظته ملائكتي و كفّلت السّموات والأرضين رزقه»
جميل أن يحصل المؤمن على صفات تؤهله للوصول الى مبتغاه وهو القرب من الله سبحانه وتعالى والحصول على شهادة بدرجة راقية مع وسام الشرف وهنا امامنا الامام علي عليه السلام يرشدنا الى تلك الصفات التي ينبغي للمؤمن التحلي بها فقال في خطبته:
: «جعل الصّبر مطيّة(7) نجاته، والتّقوى عدّة وفاته ركب الطّريقة الغرّاء(8)،لزم المحجّة(9) البيضاء. اغتنم المهل،(10) وبادر الأجل، وتزوّد من العمل». فقد أشار الإمام(عليه السلام)بهذه الصفات السبع ـ والتي تبدأ بالصفة الرابعة عشرة وانتهت بالعشرين ـ إلى شرائط والوسائل المتعلقة بالسالكين إلى اللّه الذين يحثون الخطى لنيل القرب من اللّه. ويحتاج هؤلاء السالكون قبل كل شيء إلى مركب يوصلهم إلى شاطئ النجاة وشق عباب هذا الطريق المحفوف بالمخاطر والعقبات، وما أعظم الصبر بصفته المنقذ في كل موضع ومهما كانت الظروف. من جانب آخر فان كل مسافر لابدّ أن يحمل معه بعض الوسائل والأدوات التي تلبي حاجاته طيلة هذا الطريق، ويشير الإمام(عليه السلام) إلى أنّ هذه الوسائل تتمثل بالورع والتقوى بصفتها الزاد إلى الوفاة. ثم تأتي المرحلة الضرورية الاُخرى المتمثلة بمعرفة الطريق ومواصلة السير عليه فقال(عليه السلام)«ركب الطّريقة الغرّاء ولزم المحجّة البيضاء» فالعبارة الاولى تشير إلى انتخاب الطريق والثانية إلى السير عليه ومواصلته دون الانحراف عنه طيلة المسيرة. من جانب آخر ليس هنالك من منازل يمكن السالك التزود فيها لسفره الطويل، ومن هنا لفت الإمام(عليه السلام)إنتباه السالكين إلى إغتنام الفرص واحترام الوقت الذي قد يكون وبالاعلى صاحبه إذا لم يستفد منه: «اغتنم المهل وبادر الأجل».
هنا حالة وأمر مهم للسالكين وهو الصبر!! وأي صبر هو المقصود؟
الصبر حالة نفسانية يعتمده الإنسان لمواجهة ما يعترض مسيرته من صعاب ومشاكل، وتارة يكون هذا الصبر صبر الطاعة إذا تضمن الوقوف بوجه الصعاب من أجل إمتثال الأوامر الشرعية، وتارة اُخرى يكون الصبر على المعصية إذا تضمن كبح جماح النفس والحد من طغيانها وكسر شهوتها، وأخيراً هناك الصبر على النوائب إثر مجابهة المصائب والويلات والأمراض ومطبات الحياة وعقباتها الكؤود. والواقع أنّ هذه الصفة تأخذ بيد الإنسان إلى التقوى حتى ورد عن أميرالمؤمنين(عليه السلام) أنّه قال: «فان الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد»
وجاء في الحديث عن النبي(صلى الله عليه وآله) أنه قال «سيأتي على النّاس زمانٌ لاينال الملك فيه إلاَّ بالقتل و التجبّر ولا الغنى إلاّ بالغصب والبخل، ولا المحبّة إلاَّ باستخراج الدّين واتّباع الهوى; فمن أدرك ذلك الزّمان وصبر على الفقر وهو يقدر على الغنى، وصبر على البغضة وهو يقدر على المحبّة، وصبر على الذّلّ وهو يقدر على العزّ، آتاه اللّه ثواب خمسين صدّيقاً ممّن صدّق بي»(11)
ملاحظة جديرة بالاهتمام وهي اغتنام الفرص دائما لأن الفرص تمر مر السحاب ومن جانب آخر هناك تهديد لأعمال الخير التي يقدمها الانسان فقد.
روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «إذا هممت بخير فبادر فإنّه ما تدري ما يحدث»(12)وقال(عليه السلام)أيضاً: «إذا همّ أحدكم بخير أو صلة فإنّ عن يمينه وشماله شيطانين فليبادر لايكفّاه عن ذلك».(13)
نسأل الله سبحانه وتعالى لنا التوفيق دائما وماتوفيقنا الا بالله 00
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ
اعداد/ أخوكم محمدي
المصدر/ نفحات الولاية في شرح نهج البلاغة
1.- «حكم» هنا بمعنى الحكمة.
2. - «وعى» من مادة «وعي» على وزن سعي بمعني الحفظ وفهم المراد و«أذن واعية» كناية عن سماع الشخص للمطالب وفهمها بصورة جيدة.
3. - «الحجزة» بالضم معقد الازار والمراد بها هنا الاقتداء والتمسك.
4.- «غرض» على وزن مرض بمعنى الهدف الذي يسدد نحوه السهم، كما يعني المقصود والحاجة، إلاّ أنّه ورد في رواية «عرض» بمعنى المتاع الدنيوي الزائل. 5
5. - «كابر» من مادة «مكابرة» بمعنى المنازعة والمبارزة، كما يطلق على المنازعات العلمية التي تهدف الغلبة على الطرف المقابل لاتحقيق الحق، وقد ارد بها هنا المعنى الأول.
6 - الكافي 2/16.
7.- «مطية» المركب السريع الذي لايجمع بصاحبه.
8.- «غراء» مؤنث «أغر» كل شيىء أبيض والطريقة الغراء النيرة الواضحة.
9.- «المحجة» من مادة «حج» تعني في الأصل القصد، ثم اُطلقت على جادة الطريق التي توصل الإنسان إلى مقصوده.
10.- «مهل» جاء بصيغة اسم المصدر وبمعنى الرفق والمداراة، ومن هنا فان الفرص تمثل الارضية للرفق والمداراة، وهذا الاصطلاح أستعمل بمعنى الفرصة وفي الخطبة أعلاه، جاء بعنوان الاشارة إلى الفرص التي اعطاها الله سبحانه وتعالى لعباده من اجل اصلاح اعمالهم والاتيان بالاعمال الصالحة، والتي يجب أن يغتنمها الناس.
11.- اُصول الكافي 2/91.
12-. اُصول الكافي 2/142.
13.- اُصول الكافي 2/143.