عين الحياة
10-19-2007, 12:18 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه محاضرة لآية الله المحقق الشيخ محمد سند دام ظله ، أليقت في بداية شوال 1426 هـ .. و قد قمت بكتابتها ، و نشرها لما فيها من نقاط مهمة أثيرت كثيراً في الأوساط الاسلامية بشكل عام و في الانترنت بشكل خاص ..
إثبات الهلال فلكياً .. بين القبول و الرد !!
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
و الصلاة و السلام على أفضل الأنبياء و المرسلين محمد و آل بيته الطيبين الأطهرين الأنجبين و اللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين ..
· مدخل :
كثر الكلام في اعتبار القول الفلكي في الهلال ، و أن علماء الفلك و الأرصاد يتمتعون الآن بأجهزة متطورة رصدية مسلحة علمياً ، و هذا مما يسعف في قوة التقنية و قوة إصابة النتائج في التقويم ، كما أنه مما يعزز موقف الفلكيين - في الآونة الأخيرة - استنادهم إلى المحاسبات الكمبيوترية ، و البرامج المتقنة ، الرياضية ، فتقل بذلك نتائج الخطأ و تزداد نسبة الصواب ، مما يورث اطمئناناً و يقيناً ، تجاه ما يدلون به من تنبؤات تقومية حول رؤية الهلال .
إلى أن تصاعد هذا القول إلى القول باعتبار الفلكي حجةً شرعيةً يُعتمد عليها في تثبيت الهلال ، و لأجل تبيين حقيقة الحال في هذه المقولة ، و التي ربما تروج كثيراً ، لابد من تبيين جملة من النقاط :
النقطة الأولى : أنماط العمل الفلكي الحديث:
العمل الفلكي الحديث ، و الرصد النجومي الحديث ، على نمطين :
1- النمط الأول : نمط الإدلاء بالوضع الحالي ، للكواكب و السيارات الفضائية ، عبر الأجهزة البصرية و الآلات كالتلسكوب و المنظار الحديث ، و هذه توضح شهادةً حسيةً و واقعاً موجوداً في أكثر جوانبها ، لا من كل جوانبها ؛ لأن تداعيات الوضع الحسي المشاهد - إذا أردنا أن نقرر له درجات - ، تقرير الدرجات للوضع الحسي الفضائي ، لا يعد حساً ، بل يعد حساباتٍ حدسية ، و لو شهد الهلال بالتلسكوب مثلاً ، و شهد انعكاس النور ، فانعكاس النور و إن كان حسياً و يُشاهد ، و لكن تداعي هذا المشهد الحسي ، بتوسط الآلة الحسية ، و تراميه إلى القول بانعكاس نور القمر ، بحيث يرى بالعين المجردة ، هذا التداعي و الترامي من هذا الموقف إلى ذاك ليس حسياً ، إنما هو حدسي . هذا النمط الأول : إذا كان رصداً للوضع الحالي الحسي .
2- النمط الثاني : نمط آخر من نتائج وآراء الفلكيين ، لا تمت إلى الحس بصلة ، و إنما هي حدسيات و حسابات علمية ، تعتمد على معادلات و معطيات ، تلك المعطيات تُدرج ضمن معادلات حسابية و رياضية ، تستخرج منها النتائج المستقبلية ، و هذه النتائج تتنبأ بوقت حصول الخسوف أو الكسوف - مثلاً - ، أو وقت وقوع الرؤية البصرية - بالعين المجردة - للهلال ، أو متى تقع جملة الحالات الفضائية كمجيء شهب أو مذنب و ما شابه ذلك .
هذه النبوءات المستقبلية ، ليست حسية ، بل تخضع لمحاسبات حدسية علمية ، وفق معطيات معينة ، ووفق معادلات معينة ، ووفق قواعد فلكية معينة ، تستنتج تلك النتائج . و من الخطأ حسبان هذا النمط الثاني من النمط الحسي ، الذي يؤثر فيه المجهر أو التلسكوب أو المنظار أو الأقمار الصناعية أو الأجهزة الحديثة . فهذا النمط الثاني لا صلة له بالأجهزة إلا بلحاظ المعطيات الحالية أو السابقة و استدعائها بتوسط القواعد العلمية لنتائج مستقبلية ، أما في محاسبة النتيجة و النتائج المستقبلية ، العمدة هو إعمال القواعد الفلكية و المعادلات الحسابية كي تستنج النبوءة المستقبلية .
هذه النتائج من النمط الثاني ، ليست نتائج حسية لا تقبل الخطأ ، بل هي نتائج حدسية قد تقبل الكثير من الخطأ ، شأنها كشأن جملة من الاستنتاجات الرياضية ، فإن المعادلات الرياضية ، و إن كانت في نفسها برهانيةً ، إلا إعمال تلك المعادلات و القواعد وفق المعطيات ، قد ينتابه الخطأ في الحساب و في الاستنتاج ، فضلاً عن كون نفس المعادلة ليست معادلةً مبرهنةً ، إنما هي فرضية و نظرية ، لم تصل إلى درجة الحقيقة العلمية ، و تُستخدم .
أمثلة على بطلان العمل الحدسي الفلكي :
المثال الأول :
تُحدثنا التجربة عن وقوع سلسلة من الأخطاء النجومية المشهودة ، نتيجة الخطأ في الحسابات ، أو نتيجة خطأ نفس المعادلة الحسابية التي يعمل بها للوصول إلى النتيجة ، ففي سنة 1992م ، اتفق الفلكيون في رؤية الهلال - و كان هلال العيد - على امتناع رؤيته بالعين المجردة ، سواء في أمريكا أو غرينتش في بريطانيا ، أو في بقية الأرصاد الفلكية الأوروبية ، و كذلك الشرقية ، بما فيها الأرصاد الفلكية في إيران و دول الشرق الأوسط .
و قد أعلنوا حينها أن ذلك بسبب ابتعاد القمر عن الشمس بمقدار ست درجات فضائية ، أي تولد القمر أو ابتعاده و زحزحته من المحاق بمقدار اثني عشرة ساعة ، بمقدار ست درجات فضائية ، و هذا المقدار ، لا يسمح للقمر بأن ينعكس نوره بحيث يرى بالعين المجردة ، و فوجئ العالم بأن هناك إجماعاً حول الرؤية بشكل مشهور و كثرة كاثرة ، اشتهرت بين الناس سواء من المذهب الشيعي أو المذهب السني .
و كان هذا نوعاً من التحطيم للرقم القياسي أو المنبه القياسي ، لكون المعادلة التي يجريها الفلكيون لاستنتاج موقع رؤية الهلال ، تلك النظرية و القاعدة التي اعتمدوها ، هي فاشلة في ضبط كل حالات القمر في الشهور القمرية بشكل متقن .
من ثم استبدلوها بنظرية ثالثة ؛ لأن تلك النظرية التي كانت معتمدة إلى أوائل التسعينات ، كانت نظرية ثانية ، و كانت قبلها نظرية أولى هُجرت نتيجة ظهور أخطاء كثيرة فيها بعد قرون ، و كذلك هذه النظرية الثانية ، اعتمدت لعقود أو ربما لما يقرب من قرن ، فلما ظهرت هذه النتائج الخاطئة فيها ، حاولوا استبدالها بنظرية و بقاعدة ثالثة ، ضابطة و متقنة لحالات القمر .
المثال الثاني :
تكرر هذا المشهد بعد سنتين ، في سنة 1994م ، و تبين فشل القاعدة الثانية بشكل أوضح أيضاً ، و إن لم يكن هناك إجماع بين الفلكيين على امتناع الرؤية ، ولكن فيه كثرة كاثرة من مراكز الأرصاد الدولية أيضاً ، فقالوا بامتناع الرؤية ، و مع ذلك حصلت الرؤية .
فاستجد ما استجد في الوسط الأكاديمي الفلكي من استحداث نظرية و قاعدة ثالثة لضبط رؤية الهلال ، و أصدر فيمن أصدر أكاديمية الكويت الفلكية بقلم ثلاثة من الدكاترة في الفلك ، حول هذه الظاهرة و ما رافقها من استحداث نظرية ثالثة .
على ضوء ذلك أصدر ذلك الكتاب ، لتبيان أن هذه المعادلات و هذه القواعد الحسابية ، هي فرضيات و نظريات ليست بحقائق ، للوصول إلى الحقيقة المستقبلية و النتائج .
المثال الثالث :
رصد قبل سنتين خسوف للقمر في إيران ، قيل بأنه يبدأ جزئياً ، فكليًّا ، فجزئياً ، وقد رصدت مراكز الأرصاد و الفلك ، أن وقوعه الجزئي في الساعة الكذائية في الدقيقة الكذائية ، ثم الكلي في الساعة الكذائية مبدئه و الدقيقة الكذائية ، ثم ينتهي في الدقيقة المعينة . إلا أن الذي وقع و فاجأ الأرصاد الفلكية العالمية ، هو أن الخسوف الكلي الذي وقع بعد الجزئي ، ابتدأ قبل أربع دقائق و انتهى أيضاً قبل بدقائق من الموعد الذي قرره المتنبئون به .
و ليس ذلك إلا لأجل أن تلك الحسابات ليست حسابات حسية ، و إنما هي حسابات استنتاجية يعرضها الخطأ ، و ذلك بسبب :
1- عدم ضبط المعطيات الراهنة بشكل جيد .
2- أو عدم ضبط نفس القواعد التي تعمل للاستنتاج .
3- أو أن خللاً ما ، حصل في زاوية تطبيق تلك المعادلات على المعطيات للاستنتاج ، شأنه كشأن كثير من المعادلات الرياضية التي قد يتصور الباحث الرياضي أن النتيجة فيها صائبة ، ثم تظهر له خاطئةً ، غير مطابقة للواقع .
كما هو الحال عند إنسان في طائرة ، يعلن الربان أنها ستصل بعد ست ساعات - مثلاً - إلى غايتها ، إلا أنه عند مقاربة نهاية الرحلة ، يرى أن استغراق الرحلة إما أقل من ذلك أو أكثر ، مع أن محاسبة الربان هي محاسبة رياضية ، وفق جدول كمبيوتري ، ولا تأتي - مع ذلك - النتائج منضبطةً تطابق الواقع ؛ و السبب في ذلك : سرعة الطائرة ، و العوامل التي تؤثر فيها من مطبات هوائية أو هبوطات أو تغير مسار ، كل تلك عوامل مؤثرة في النتيجة ، و هي أمور لم تكن في حسبان الربان ، مع أنه يعتمد أيضاً القضايا الفلكية ، و الحسابات الرياضية ، من ضرب السرعة في الزمن للحصول على المسافة ، أو من قسمة المسافة على السرعة للحصول على الزمن ..
و نحوه أمثلة على خطأ الحسابات الفلكية :
المثال الأول :
أن نقسم المسافة الفضائية على القمر على السرعة الفضائية للقمر ، فنعلم زمن ظهوره هلالاً أو محاقاً ، أو غير ذلك . لكن نتيجة الخطأ في المعطيات أو في تطبيق المعادلات أو في زاوية الاستنتاج ، تظهر نتائج خاطئة ، لا سيما و أن لدينا نقطةً أخرى ، لابد من الالتفات لها ، و هي أن القمر ذو مدار مترقص - كما سنأتي في بيان هذه النقطة في بيان مستقل - .
المثال الثاني :
إن الذي يزاول تتبع مواقع الانترنت للأرصاد الفلكية ، يشاهد أن جداولهم تصحح كل شهر ، فيصدرون تقويماً حول الشمس - مثلاً - أو حول القمر أو حول السيارات الفضائية ، إلى آخر السنة ، لكنهم يجددون تصحيح المعلومات و الفرضيات كل شهر ، و يجرون التغيير على ما تم إقراره للشهور المستقبلية في الجدول المبثوث لديهم في تلك المواقع من الانترنت ، و السبب في ذلك ؛ أنهم عندما استنتجوا الأوضاع الفلكية ، بلحاظ السنة المستقبلية ، وجدوا معطيات لم تكن في حسبانهم ، مستجدةً في كل شهر ، و دخيلةً في الاستنتاج مؤثرةً عليه ، فيصححون الاستنتاجات التي كانوا قد استنتجوها من قبل . و هذا أمر بديهي بيِّن ، لكل من زاول دخول تلك المواقع ، و كانت له دراية و ممارسة في رصد جداول التقويم للأوضاع الفلكية التي يذكرونها ، و هذا دليل واضح بيِّن ، على أن تلك النتائج ليست برهانية أو حسية ، لا تقبل الخطأ ، و هي نقطة لابد أن نلتفت إليها .
هذه محاضرة لآية الله المحقق الشيخ محمد سند دام ظله ، أليقت في بداية شوال 1426 هـ .. و قد قمت بكتابتها ، و نشرها لما فيها من نقاط مهمة أثيرت كثيراً في الأوساط الاسلامية بشكل عام و في الانترنت بشكل خاص ..
إثبات الهلال فلكياً .. بين القبول و الرد !!
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
و الصلاة و السلام على أفضل الأنبياء و المرسلين محمد و آل بيته الطيبين الأطهرين الأنجبين و اللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين ..
· مدخل :
كثر الكلام في اعتبار القول الفلكي في الهلال ، و أن علماء الفلك و الأرصاد يتمتعون الآن بأجهزة متطورة رصدية مسلحة علمياً ، و هذا مما يسعف في قوة التقنية و قوة إصابة النتائج في التقويم ، كما أنه مما يعزز موقف الفلكيين - في الآونة الأخيرة - استنادهم إلى المحاسبات الكمبيوترية ، و البرامج المتقنة ، الرياضية ، فتقل بذلك نتائج الخطأ و تزداد نسبة الصواب ، مما يورث اطمئناناً و يقيناً ، تجاه ما يدلون به من تنبؤات تقومية حول رؤية الهلال .
إلى أن تصاعد هذا القول إلى القول باعتبار الفلكي حجةً شرعيةً يُعتمد عليها في تثبيت الهلال ، و لأجل تبيين حقيقة الحال في هذه المقولة ، و التي ربما تروج كثيراً ، لابد من تبيين جملة من النقاط :
النقطة الأولى : أنماط العمل الفلكي الحديث:
العمل الفلكي الحديث ، و الرصد النجومي الحديث ، على نمطين :
1- النمط الأول : نمط الإدلاء بالوضع الحالي ، للكواكب و السيارات الفضائية ، عبر الأجهزة البصرية و الآلات كالتلسكوب و المنظار الحديث ، و هذه توضح شهادةً حسيةً و واقعاً موجوداً في أكثر جوانبها ، لا من كل جوانبها ؛ لأن تداعيات الوضع الحسي المشاهد - إذا أردنا أن نقرر له درجات - ، تقرير الدرجات للوضع الحسي الفضائي ، لا يعد حساً ، بل يعد حساباتٍ حدسية ، و لو شهد الهلال بالتلسكوب مثلاً ، و شهد انعكاس النور ، فانعكاس النور و إن كان حسياً و يُشاهد ، و لكن تداعي هذا المشهد الحسي ، بتوسط الآلة الحسية ، و تراميه إلى القول بانعكاس نور القمر ، بحيث يرى بالعين المجردة ، هذا التداعي و الترامي من هذا الموقف إلى ذاك ليس حسياً ، إنما هو حدسي . هذا النمط الأول : إذا كان رصداً للوضع الحالي الحسي .
2- النمط الثاني : نمط آخر من نتائج وآراء الفلكيين ، لا تمت إلى الحس بصلة ، و إنما هي حدسيات و حسابات علمية ، تعتمد على معادلات و معطيات ، تلك المعطيات تُدرج ضمن معادلات حسابية و رياضية ، تستخرج منها النتائج المستقبلية ، و هذه النتائج تتنبأ بوقت حصول الخسوف أو الكسوف - مثلاً - ، أو وقت وقوع الرؤية البصرية - بالعين المجردة - للهلال ، أو متى تقع جملة الحالات الفضائية كمجيء شهب أو مذنب و ما شابه ذلك .
هذه النبوءات المستقبلية ، ليست حسية ، بل تخضع لمحاسبات حدسية علمية ، وفق معطيات معينة ، ووفق معادلات معينة ، ووفق قواعد فلكية معينة ، تستنتج تلك النتائج . و من الخطأ حسبان هذا النمط الثاني من النمط الحسي ، الذي يؤثر فيه المجهر أو التلسكوب أو المنظار أو الأقمار الصناعية أو الأجهزة الحديثة . فهذا النمط الثاني لا صلة له بالأجهزة إلا بلحاظ المعطيات الحالية أو السابقة و استدعائها بتوسط القواعد العلمية لنتائج مستقبلية ، أما في محاسبة النتيجة و النتائج المستقبلية ، العمدة هو إعمال القواعد الفلكية و المعادلات الحسابية كي تستنج النبوءة المستقبلية .
هذه النتائج من النمط الثاني ، ليست نتائج حسية لا تقبل الخطأ ، بل هي نتائج حدسية قد تقبل الكثير من الخطأ ، شأنها كشأن جملة من الاستنتاجات الرياضية ، فإن المعادلات الرياضية ، و إن كانت في نفسها برهانيةً ، إلا إعمال تلك المعادلات و القواعد وفق المعطيات ، قد ينتابه الخطأ في الحساب و في الاستنتاج ، فضلاً عن كون نفس المعادلة ليست معادلةً مبرهنةً ، إنما هي فرضية و نظرية ، لم تصل إلى درجة الحقيقة العلمية ، و تُستخدم .
أمثلة على بطلان العمل الحدسي الفلكي :
المثال الأول :
تُحدثنا التجربة عن وقوع سلسلة من الأخطاء النجومية المشهودة ، نتيجة الخطأ في الحسابات ، أو نتيجة خطأ نفس المعادلة الحسابية التي يعمل بها للوصول إلى النتيجة ، ففي سنة 1992م ، اتفق الفلكيون في رؤية الهلال - و كان هلال العيد - على امتناع رؤيته بالعين المجردة ، سواء في أمريكا أو غرينتش في بريطانيا ، أو في بقية الأرصاد الفلكية الأوروبية ، و كذلك الشرقية ، بما فيها الأرصاد الفلكية في إيران و دول الشرق الأوسط .
و قد أعلنوا حينها أن ذلك بسبب ابتعاد القمر عن الشمس بمقدار ست درجات فضائية ، أي تولد القمر أو ابتعاده و زحزحته من المحاق بمقدار اثني عشرة ساعة ، بمقدار ست درجات فضائية ، و هذا المقدار ، لا يسمح للقمر بأن ينعكس نوره بحيث يرى بالعين المجردة ، و فوجئ العالم بأن هناك إجماعاً حول الرؤية بشكل مشهور و كثرة كاثرة ، اشتهرت بين الناس سواء من المذهب الشيعي أو المذهب السني .
و كان هذا نوعاً من التحطيم للرقم القياسي أو المنبه القياسي ، لكون المعادلة التي يجريها الفلكيون لاستنتاج موقع رؤية الهلال ، تلك النظرية و القاعدة التي اعتمدوها ، هي فاشلة في ضبط كل حالات القمر في الشهور القمرية بشكل متقن .
من ثم استبدلوها بنظرية ثالثة ؛ لأن تلك النظرية التي كانت معتمدة إلى أوائل التسعينات ، كانت نظرية ثانية ، و كانت قبلها نظرية أولى هُجرت نتيجة ظهور أخطاء كثيرة فيها بعد قرون ، و كذلك هذه النظرية الثانية ، اعتمدت لعقود أو ربما لما يقرب من قرن ، فلما ظهرت هذه النتائج الخاطئة فيها ، حاولوا استبدالها بنظرية و بقاعدة ثالثة ، ضابطة و متقنة لحالات القمر .
المثال الثاني :
تكرر هذا المشهد بعد سنتين ، في سنة 1994م ، و تبين فشل القاعدة الثانية بشكل أوضح أيضاً ، و إن لم يكن هناك إجماع بين الفلكيين على امتناع الرؤية ، ولكن فيه كثرة كاثرة من مراكز الأرصاد الدولية أيضاً ، فقالوا بامتناع الرؤية ، و مع ذلك حصلت الرؤية .
فاستجد ما استجد في الوسط الأكاديمي الفلكي من استحداث نظرية و قاعدة ثالثة لضبط رؤية الهلال ، و أصدر فيمن أصدر أكاديمية الكويت الفلكية بقلم ثلاثة من الدكاترة في الفلك ، حول هذه الظاهرة و ما رافقها من استحداث نظرية ثالثة .
على ضوء ذلك أصدر ذلك الكتاب ، لتبيان أن هذه المعادلات و هذه القواعد الحسابية ، هي فرضيات و نظريات ليست بحقائق ، للوصول إلى الحقيقة المستقبلية و النتائج .
المثال الثالث :
رصد قبل سنتين خسوف للقمر في إيران ، قيل بأنه يبدأ جزئياً ، فكليًّا ، فجزئياً ، وقد رصدت مراكز الأرصاد و الفلك ، أن وقوعه الجزئي في الساعة الكذائية في الدقيقة الكذائية ، ثم الكلي في الساعة الكذائية مبدئه و الدقيقة الكذائية ، ثم ينتهي في الدقيقة المعينة . إلا أن الذي وقع و فاجأ الأرصاد الفلكية العالمية ، هو أن الخسوف الكلي الذي وقع بعد الجزئي ، ابتدأ قبل أربع دقائق و انتهى أيضاً قبل بدقائق من الموعد الذي قرره المتنبئون به .
و ليس ذلك إلا لأجل أن تلك الحسابات ليست حسابات حسية ، و إنما هي حسابات استنتاجية يعرضها الخطأ ، و ذلك بسبب :
1- عدم ضبط المعطيات الراهنة بشكل جيد .
2- أو عدم ضبط نفس القواعد التي تعمل للاستنتاج .
3- أو أن خللاً ما ، حصل في زاوية تطبيق تلك المعادلات على المعطيات للاستنتاج ، شأنه كشأن كثير من المعادلات الرياضية التي قد يتصور الباحث الرياضي أن النتيجة فيها صائبة ، ثم تظهر له خاطئةً ، غير مطابقة للواقع .
كما هو الحال عند إنسان في طائرة ، يعلن الربان أنها ستصل بعد ست ساعات - مثلاً - إلى غايتها ، إلا أنه عند مقاربة نهاية الرحلة ، يرى أن استغراق الرحلة إما أقل من ذلك أو أكثر ، مع أن محاسبة الربان هي محاسبة رياضية ، وفق جدول كمبيوتري ، ولا تأتي - مع ذلك - النتائج منضبطةً تطابق الواقع ؛ و السبب في ذلك : سرعة الطائرة ، و العوامل التي تؤثر فيها من مطبات هوائية أو هبوطات أو تغير مسار ، كل تلك عوامل مؤثرة في النتيجة ، و هي أمور لم تكن في حسبان الربان ، مع أنه يعتمد أيضاً القضايا الفلكية ، و الحسابات الرياضية ، من ضرب السرعة في الزمن للحصول على المسافة ، أو من قسمة المسافة على السرعة للحصول على الزمن ..
و نحوه أمثلة على خطأ الحسابات الفلكية :
المثال الأول :
أن نقسم المسافة الفضائية على القمر على السرعة الفضائية للقمر ، فنعلم زمن ظهوره هلالاً أو محاقاً ، أو غير ذلك . لكن نتيجة الخطأ في المعطيات أو في تطبيق المعادلات أو في زاوية الاستنتاج ، تظهر نتائج خاطئة ، لا سيما و أن لدينا نقطةً أخرى ، لابد من الالتفات لها ، و هي أن القمر ذو مدار مترقص - كما سنأتي في بيان هذه النقطة في بيان مستقل - .
المثال الثاني :
إن الذي يزاول تتبع مواقع الانترنت للأرصاد الفلكية ، يشاهد أن جداولهم تصحح كل شهر ، فيصدرون تقويماً حول الشمس - مثلاً - أو حول القمر أو حول السيارات الفضائية ، إلى آخر السنة ، لكنهم يجددون تصحيح المعلومات و الفرضيات كل شهر ، و يجرون التغيير على ما تم إقراره للشهور المستقبلية في الجدول المبثوث لديهم في تلك المواقع من الانترنت ، و السبب في ذلك ؛ أنهم عندما استنتجوا الأوضاع الفلكية ، بلحاظ السنة المستقبلية ، وجدوا معطيات لم تكن في حسبانهم ، مستجدةً في كل شهر ، و دخيلةً في الاستنتاج مؤثرةً عليه ، فيصححون الاستنتاجات التي كانوا قد استنتجوها من قبل . و هذا أمر بديهي بيِّن ، لكل من زاول دخول تلك المواقع ، و كانت له دراية و ممارسة في رصد جداول التقويم للأوضاع الفلكية التي يذكرونها ، و هذا دليل واضح بيِّن ، على أن تلك النتائج ليست برهانية أو حسية ، لا تقبل الخطأ ، و هي نقطة لابد أن نلتفت إليها .