بحر الجود
10-22-2007, 10:29 AM
الإمامة في القرآن
{الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا} ( المائدة:3)، تشير القرائن الداخلية في الآية الكريمة مع الشواهد الخارجية التي تمثلت بما جاء بشأنها من أخبار من طرق الشيعة والسنة، للتدليل على اختصاصها بغدير خم.
ومادام بحثنا يدور حول الآيات القرآنية في هذا المجال، ويرتبط بما تستدل به الشيعة من آيات في الإمامة، فقد رأيت أن أشير لعدد آخر من الآيات مما يستدل به علماء الشيعة، لكي يتبين، على نحو صحيح، طبيعة نهجهم في الاستدلال.
من الآيات الأخرى التي لها علاقة بالموضوع، هي الآية من سورة المائدة التي جاءت بعد هذه بستين آية تقريبا، حيث يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}(المائدة/67).
قبل الدخول في البحث، من الضروري أن أبسط مقدمة تعين على توضيح الفكرة التي ذكرناها في بحث الآية السابقة.
الوضع الخاصّ للآيات التي ترتبط بأهل البيت
المسألة التي تبدو غامضة حقا هو أن الآيات القرآنية الواردة بشأن أهل بيت النبي - أو على الأقل تلك التي تختص من وجهة نظرنا نحن الشيعة بعليّ أمير المؤمنين - جاءت وهي تنطوي على وضع خاص، وهو أن هذه الآيات في الوقت الذي تنطوي فيه على دلائل وقرائن تؤكد الفكرة من الآية ذاتها، نجد وكأن هناك مسعىً، لكي تأتي هذه الفكرة [المحورية في الآية] من خلال أفكار أخرى، أو تأتي في سياق قضية أخرى، بحيث تتجاوز تلك الفكرة [ المحورية والأساسية] ويطالها الإغفال.
والسؤال: ما هو السر الذي يكمن وراء هذا المنحى؟
سيتبين في سياق الإجابة على هذا السؤال، الرد أيضا على أولئك الذين ما برحوا يتساءلون: إذا كان الله يريد أن ينص على الإمام علي (عليه السلام) كخليفةٍ للنبي (صلى الله عليه وآله) فلماذا لم يصرح باسمه مباشرة في القرآن.
آية التطهير
كمثال للحالة، لدينا آية باسم آية التطهير، حيث يقول تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}(الاحزاب33). فلو بقينا والآية، فسيكون المفاد واضحا جليا جدا، إذ تفيد أن الله أراد لكم أهل البيت الطهارة والتنزيه.
وقوله( يطهركم تطهيرا) دلالة على نوع خاص من التطهير. فالطهارة التي ذكرها الله لا تنصرف إلى التطهير العرفي أو الطبي بحيث يكون المراد تطهير أجسام أهل البيت من الأمراض والجراثيم.
لا أريد القول: إن هذه لا تدخل في مصداق التطهير، ولكن المراد جزما بالتطهير الذي توفرت الآية على ذكره، هو في الدرجة الأولى ما ذكره القرآن نفسه بعنوان كونه رجسا. فالرجس في القرآن يشمل كل ما نهى عنه القرآن، وجميع ما أحصاه من أشكال الذنوب، سواء الذنوب الاعتقادية أو الأخلاقية أو العملية، فهذه جميعها رجس وقذر.
وهذا هو المراد من قولهم إن مفاد الآية يدل على عصمة أهل البيت، أي تنزهّهم عن جميع أشكال الرجس والموبقات. إذا أراد أحدنا أن يصرف النظر عن كونه شيعيا أو سنيا، ويفترض نفسه مستشرقا مسيحيا جاء من لجّة العالم المسيحي، وهو يريد أن يعرف ما جاء به
كتاب المسلمين، عندما ينظر إلى هذه الآية (آية التطهير) في القرآن ثم ييمم وجهة صوب التاريخ والسنة وحديث المسلمين، يجد أن ليس تلك الفرقة التي يطلق عليها "الشيعة" وتعرف بخصوص الولاء لأهل البيت وحدهم ، بل تجتمع حتى كلمة تلك الفرق التي لا ترتبط بولاء خاص لأهل البيت، في أهم كتبها المعتبرة وما ذكرته بشأن نزول الآية، على أن الآية جاءت في وصف أهل بيت النبي، وأنها نزلت في سياق تلك الواقعة المعروفة التي اجتمع فيها رسول الله (صلى الله علية وآله) مع علي والزهراء والإمام الحسن والإمام الحسين (عليهم السلام).
ويروي أهل السنة أن الآية حين نزلت سـألت أم سلمة إحدى زوجات النبي (يكن الشيعة نظرة احترام جليلة إلى هذه السيدة، وهي عندهم من أجل زوجات النبي بعد خديجة ولها عند أهل السنة مكانة محترمة أيضا، إذ تعد في جلالة مركزها عندهم بعد خديجة وعائشة )، رسول الله فيما إذا كانت من جملة أهل البيت أم لا، فأجابها النبي: لا، ولكنك على خير.
ومصادر هذا الحديث لا تقتصر على كتاب أو اثنين، بل هي كثيرة في روايات أهل السنة.
ولكن هذه الآية [على وضوحها ذاتيا] تأتي في سياق آيات أخرى، تتحدث قبلها وبعدها عن نساء النبي. فهي مسبوقة بقوله تعالى: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ} ( الأحزاب: 32)
والآية ليست بشأن منح المزايا، بل هي بصدد بيان أن الذنب الذي يصدر من إحدى زوجات النبي تستحق عليه العقاب مضاعفا، لأن الذنب منها ذنبان، ذنب اجتراح الخطيئة، وذنب هتك حرمة زوجها النبي. وعلى المنوال نفسه يكون ثوابها على ما يصدر منها من طاعات مضاعفا.
هذا النسق يجري على السادة (ذرية الرسول) أيضا، إذ يقع العقاب عليهم ضعفا في اجتراح الذنوب والموبقات، ويـأتي الثواب ضعفا أيضا على ما يصدر منهم من طاعات وخيرات.
على سبيل المثال، لو أن سيدا من السادة تناول المشروب، فهو يكون بذلك قد اجترح خطيئتين، خطيئة تناول المشروب، ثم خطيئة هتكه لحرمة النبي، كونه منسوبا إليه، ومن ذريته.
ولا ريب أن مثل هذه الممارسة العلنية من ابن النبي ضد النبي، تكون منشأ لأثر خاص في نفوس الآخرين.
نعود إلى الآيات لنرى أن الضمير في جميعها مؤنث (لستن كأحد من النساء إن أتقيتن ) وهو يدل على أن المخاطب فيها هُنّ زوجات النبي.
بيدَ أن الذي يحصل بعد عدة آيات، هو ظهور الضمير المذكر في النص، حين نصل إلى قوله تعالى ( إنما يريد الله ليذهب عنكم (لا: عنكن) الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) ثم يعود بعد ذلك لصيغة التأنيث مجددا.
ولما كان القرآن لا يفعل أي شيء جزافا، فإن ما حصل يتمثل بما يلي:
أولا: لقد تم الحديث هنا عن "أهل البيت" في حين كان السياق قبل ذلك منصرفا إلى نساء النبي (يا نساء النبي). وبذلك تبدل عنوان - الخطاب - من "نساء النبي" إلى" أهل بيت النبي".
ثانيا: تغير الضمير تبعا لذلك من التأنيث إلى التذكير. ولم يحصل ذلك عبثا أو اعتباطا ولم يأت على سبيل اللغو، بل لا بد أن تكون هناك قضية أخرى يريد أن يتحدث عنها النص، غير تلك التي تضمنتها الآيات السابقة.
لقد ظلّلت الآيات قبل آية التطهير وبعدها، معاني التكليف والأمر لنساء النبي، وقد جاءت وهي محملة بروح التهديد والخوف والرجاء.
ففي ما يدل به على الأمر، نقرأ قوله تعالى لهن:( وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية...) فالنص يأمر نساء النبي ويتهددهن، ويضعهن ، ويضعهن- ضمنا - بين حال الخوف والرجاء، فيرجيهن بالثواب على فعل الخير، ويخوفهن بالعقاب من فعل الشر.
أما مفاد آية التطهير فهو غير مفاد الآيات التي سبقتها والتي تلتها، وآية التطهير جاءت تتجاوز المدح لتتحدث عن التنزيه عن الذنوب والمعاصي، والتطهير من الموبقات.
فالمخاطب في آية التطهير هم "أهل البيت" أما في الآيات التي سبقتها وتلتها، فالمخاطب "نساء النبي". والضمير يختلف تبعا لذلك، فقد جاء بصيغة التذكير في آية التطهير، فيما جاء بصيغة التأنيث في بقية السياق.
بيدَ أن الذي حصل مع ذلك أن هذه الآية التي جاء مفادها مختلفا عما قبلها وبعدها، دُرِجت ضمن تلك الآيات وقطع بها سياقها، تماما كالجملة المعترضة التي ينطق بها متحدث ثم يعود لسياق موضوعه.
وفي الواقع هذا هو سر ما جاء في رواياتنا عن أهل البيت (عليهم السلام) من تأكيد كبير على أن آيات القرآن يمكن أن تتحدث في بدايتها عن شيء، وفي وسطها عن شيء آخر، وفي آخرها عن شيء [فكرة أو موضوع] ثالث.
وما التأكيد الصادر عنهم في أهمية تفسير القرآن، إلا لأمثال هذه الغايات.
وفي الواقع، لا يقتصر الأمر على رواياتنا وما قاله أئمتنا من أن قوله تعالى:
(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) يفترق في المخاطب والمضمون عن بقية ما قبله وما بعده من السياق، وأن الآية تتعلق بأولئك (أهل البيت) الذين ضمتهم الواقعة المعروفة، وإنما ينقل ذلك أيضا أهل السنة في رواياتهم.
نسألكم الدعاء
{الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا} ( المائدة:3)، تشير القرائن الداخلية في الآية الكريمة مع الشواهد الخارجية التي تمثلت بما جاء بشأنها من أخبار من طرق الشيعة والسنة، للتدليل على اختصاصها بغدير خم.
ومادام بحثنا يدور حول الآيات القرآنية في هذا المجال، ويرتبط بما تستدل به الشيعة من آيات في الإمامة، فقد رأيت أن أشير لعدد آخر من الآيات مما يستدل به علماء الشيعة، لكي يتبين، على نحو صحيح، طبيعة نهجهم في الاستدلال.
من الآيات الأخرى التي لها علاقة بالموضوع، هي الآية من سورة المائدة التي جاءت بعد هذه بستين آية تقريبا، حيث يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}(المائدة/67).
قبل الدخول في البحث، من الضروري أن أبسط مقدمة تعين على توضيح الفكرة التي ذكرناها في بحث الآية السابقة.
الوضع الخاصّ للآيات التي ترتبط بأهل البيت
المسألة التي تبدو غامضة حقا هو أن الآيات القرآنية الواردة بشأن أهل بيت النبي - أو على الأقل تلك التي تختص من وجهة نظرنا نحن الشيعة بعليّ أمير المؤمنين - جاءت وهي تنطوي على وضع خاص، وهو أن هذه الآيات في الوقت الذي تنطوي فيه على دلائل وقرائن تؤكد الفكرة من الآية ذاتها، نجد وكأن هناك مسعىً، لكي تأتي هذه الفكرة [المحورية في الآية] من خلال أفكار أخرى، أو تأتي في سياق قضية أخرى، بحيث تتجاوز تلك الفكرة [ المحورية والأساسية] ويطالها الإغفال.
والسؤال: ما هو السر الذي يكمن وراء هذا المنحى؟
سيتبين في سياق الإجابة على هذا السؤال، الرد أيضا على أولئك الذين ما برحوا يتساءلون: إذا كان الله يريد أن ينص على الإمام علي (عليه السلام) كخليفةٍ للنبي (صلى الله عليه وآله) فلماذا لم يصرح باسمه مباشرة في القرآن.
آية التطهير
كمثال للحالة، لدينا آية باسم آية التطهير، حيث يقول تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}(الاحزاب33). فلو بقينا والآية، فسيكون المفاد واضحا جليا جدا، إذ تفيد أن الله أراد لكم أهل البيت الطهارة والتنزيه.
وقوله( يطهركم تطهيرا) دلالة على نوع خاص من التطهير. فالطهارة التي ذكرها الله لا تنصرف إلى التطهير العرفي أو الطبي بحيث يكون المراد تطهير أجسام أهل البيت من الأمراض والجراثيم.
لا أريد القول: إن هذه لا تدخل في مصداق التطهير، ولكن المراد جزما بالتطهير الذي توفرت الآية على ذكره، هو في الدرجة الأولى ما ذكره القرآن نفسه بعنوان كونه رجسا. فالرجس في القرآن يشمل كل ما نهى عنه القرآن، وجميع ما أحصاه من أشكال الذنوب، سواء الذنوب الاعتقادية أو الأخلاقية أو العملية، فهذه جميعها رجس وقذر.
وهذا هو المراد من قولهم إن مفاد الآية يدل على عصمة أهل البيت، أي تنزهّهم عن جميع أشكال الرجس والموبقات. إذا أراد أحدنا أن يصرف النظر عن كونه شيعيا أو سنيا، ويفترض نفسه مستشرقا مسيحيا جاء من لجّة العالم المسيحي، وهو يريد أن يعرف ما جاء به
كتاب المسلمين، عندما ينظر إلى هذه الآية (آية التطهير) في القرآن ثم ييمم وجهة صوب التاريخ والسنة وحديث المسلمين، يجد أن ليس تلك الفرقة التي يطلق عليها "الشيعة" وتعرف بخصوص الولاء لأهل البيت وحدهم ، بل تجتمع حتى كلمة تلك الفرق التي لا ترتبط بولاء خاص لأهل البيت، في أهم كتبها المعتبرة وما ذكرته بشأن نزول الآية، على أن الآية جاءت في وصف أهل بيت النبي، وأنها نزلت في سياق تلك الواقعة المعروفة التي اجتمع فيها رسول الله (صلى الله علية وآله) مع علي والزهراء والإمام الحسن والإمام الحسين (عليهم السلام).
ويروي أهل السنة أن الآية حين نزلت سـألت أم سلمة إحدى زوجات النبي (يكن الشيعة نظرة احترام جليلة إلى هذه السيدة، وهي عندهم من أجل زوجات النبي بعد خديجة ولها عند أهل السنة مكانة محترمة أيضا، إذ تعد في جلالة مركزها عندهم بعد خديجة وعائشة )، رسول الله فيما إذا كانت من جملة أهل البيت أم لا، فأجابها النبي: لا، ولكنك على خير.
ومصادر هذا الحديث لا تقتصر على كتاب أو اثنين، بل هي كثيرة في روايات أهل السنة.
ولكن هذه الآية [على وضوحها ذاتيا] تأتي في سياق آيات أخرى، تتحدث قبلها وبعدها عن نساء النبي. فهي مسبوقة بقوله تعالى: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ} ( الأحزاب: 32)
والآية ليست بشأن منح المزايا، بل هي بصدد بيان أن الذنب الذي يصدر من إحدى زوجات النبي تستحق عليه العقاب مضاعفا، لأن الذنب منها ذنبان، ذنب اجتراح الخطيئة، وذنب هتك حرمة زوجها النبي. وعلى المنوال نفسه يكون ثوابها على ما يصدر منها من طاعات مضاعفا.
هذا النسق يجري على السادة (ذرية الرسول) أيضا، إذ يقع العقاب عليهم ضعفا في اجتراح الذنوب والموبقات، ويـأتي الثواب ضعفا أيضا على ما يصدر منهم من طاعات وخيرات.
على سبيل المثال، لو أن سيدا من السادة تناول المشروب، فهو يكون بذلك قد اجترح خطيئتين، خطيئة تناول المشروب، ثم خطيئة هتكه لحرمة النبي، كونه منسوبا إليه، ومن ذريته.
ولا ريب أن مثل هذه الممارسة العلنية من ابن النبي ضد النبي، تكون منشأ لأثر خاص في نفوس الآخرين.
نعود إلى الآيات لنرى أن الضمير في جميعها مؤنث (لستن كأحد من النساء إن أتقيتن ) وهو يدل على أن المخاطب فيها هُنّ زوجات النبي.
بيدَ أن الذي يحصل بعد عدة آيات، هو ظهور الضمير المذكر في النص، حين نصل إلى قوله تعالى ( إنما يريد الله ليذهب عنكم (لا: عنكن) الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) ثم يعود بعد ذلك لصيغة التأنيث مجددا.
ولما كان القرآن لا يفعل أي شيء جزافا، فإن ما حصل يتمثل بما يلي:
أولا: لقد تم الحديث هنا عن "أهل البيت" في حين كان السياق قبل ذلك منصرفا إلى نساء النبي (يا نساء النبي). وبذلك تبدل عنوان - الخطاب - من "نساء النبي" إلى" أهل بيت النبي".
ثانيا: تغير الضمير تبعا لذلك من التأنيث إلى التذكير. ولم يحصل ذلك عبثا أو اعتباطا ولم يأت على سبيل اللغو، بل لا بد أن تكون هناك قضية أخرى يريد أن يتحدث عنها النص، غير تلك التي تضمنتها الآيات السابقة.
لقد ظلّلت الآيات قبل آية التطهير وبعدها، معاني التكليف والأمر لنساء النبي، وقد جاءت وهي محملة بروح التهديد والخوف والرجاء.
ففي ما يدل به على الأمر، نقرأ قوله تعالى لهن:( وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية...) فالنص يأمر نساء النبي ويتهددهن، ويضعهن ، ويضعهن- ضمنا - بين حال الخوف والرجاء، فيرجيهن بالثواب على فعل الخير، ويخوفهن بالعقاب من فعل الشر.
أما مفاد آية التطهير فهو غير مفاد الآيات التي سبقتها والتي تلتها، وآية التطهير جاءت تتجاوز المدح لتتحدث عن التنزيه عن الذنوب والمعاصي، والتطهير من الموبقات.
فالمخاطب في آية التطهير هم "أهل البيت" أما في الآيات التي سبقتها وتلتها، فالمخاطب "نساء النبي". والضمير يختلف تبعا لذلك، فقد جاء بصيغة التذكير في آية التطهير، فيما جاء بصيغة التأنيث في بقية السياق.
بيدَ أن الذي حصل مع ذلك أن هذه الآية التي جاء مفادها مختلفا عما قبلها وبعدها، دُرِجت ضمن تلك الآيات وقطع بها سياقها، تماما كالجملة المعترضة التي ينطق بها متحدث ثم يعود لسياق موضوعه.
وفي الواقع هذا هو سر ما جاء في رواياتنا عن أهل البيت (عليهم السلام) من تأكيد كبير على أن آيات القرآن يمكن أن تتحدث في بدايتها عن شيء، وفي وسطها عن شيء آخر، وفي آخرها عن شيء [فكرة أو موضوع] ثالث.
وما التأكيد الصادر عنهم في أهمية تفسير القرآن، إلا لأمثال هذه الغايات.
وفي الواقع، لا يقتصر الأمر على رواياتنا وما قاله أئمتنا من أن قوله تعالى:
(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) يفترق في المخاطب والمضمون عن بقية ما قبله وما بعده من السياق، وأن الآية تتعلق بأولئك (أهل البيت) الذين ضمتهم الواقعة المعروفة، وإنما ينقل ذلك أيضا أهل السنة في رواياتهم.
نسألكم الدعاء